فصل: تفسير الآيات (1- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (77):

{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)}
مبين قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ} قال ابن عباس: الإنسان هو عبد الله بن أبي.
وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وا السهمي.
وقال الحسن: هو أبي بن خلف الجمحي.
وقاله ابن إسحاق، ورواه ابن وهب عمالك. {أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ} وهو اليسير من الماء، نطف إذا قطر. {فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} أي مجادل في الخصومة مبين للحجة. يريد بذلك أنه صار به بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا. وذلك أنه أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعظم حائل فقال: يا محمد أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رم! فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نعم ويبعثك الله ويدخلك النار» فنزلت هذه الآية.

.تفسير الآيات (78- 79):

{وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}
قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} أي ونسي أنا أنشأناه من نطفة ميتة فركبنا فيه الحياة. أي جوا به من نفسه حاضر، ولهذا قال عليه السلام: «نعم ويبعثك الله ويدخلك النار» ففي هذا دليل على صحة القياس، لأن الله جل وعز احتج على منكري البعث بالنشأة الأولى. {قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} أي بالية. رم العظم فهو رميم ورمام. وإنما قال رميم ولم يقل رميمة، لأنها معدولة عن فاعلة، وما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه، كقوله: {وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28] أسقط الهاء، لأنها مصروفة عن باغية.
وقيل: إن هذا الكافر قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرأيت إن سحقتها وأذريتها في الريح أيعيدها الله! فنزلت {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي من غير شيء فهو قادر عي إعادتها في النشأة الثانية من شيء وهو عجم الذنب. ويقال عجب الذنب بالياء. {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} أي كيف بيدي ويعيد.
الثانية: في هذه الآية دليل على أن في العظام حياة وأنها تنجس بالموت. وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي رضي الله عنه: حياة فيها. وقد تقدم هذا في النحل. فإن قيل: أراد بقوله: {مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ} أصحاب العظام وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة، موجود في الشريعة. قلنا: إنما يكون إذ احتيج لضرورة وليس ها هنا ضرورة تدعو إلى هذا الإضمار، ولا يفتقر إلى هذا التقدير، إذا الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه والحقيقة تشهد له، فإن الإحساس الذي هو علامة الحياة موجود فيه، قاله ابن العربي.

.تفسير الآيات (80- 83):

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)}
قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً} نبه تعالى على وحدانيته، ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى بما يشاهدونه من إخراج المحرق اليابس من العود الندي الر طب. وذلك أن الكافر قال: النطفة حارة رطبة بطبع حياة فخرج منها الحياة، والعظم بارد يابس بطبع الموت فكيف تخرج منه الحياة! فأنزل الله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً} أي إن الشجر الأخضر من الماء والماء بارد رطب ضد النار وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فهو القادر على إخراج الضد من الضد، وهو على كل شيء قدير. معني بالآية ما في المرخ والعفار، وهي زناده العرب، ومنه قولهم: في كل شجر نار واستمجد المر والعفار، فالعفار الزند وهو الأعلى، والمرخ الزندة وهي الأسفل، يؤخذ منهما غصنان مثل المسواكين يقطران ماء فيحك بعضهما إلى بعض فتخرج منهما النار. وقال: {مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ} ولم يقل الخضراء وهو جمع، لأن رده إلى اللفظ. ومن العرب من يقول: الشجر الخضراء، كما قال عز وجل: {مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ} [الواقعة: 53- 52]. ثم قال تعالى محتجا: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} أي أمثال المنكرين للبعث. وقرأ سلام أبو المنذر ويعقوب الحضرمي: {يقدر على أن يخلق مثلهم} على أنه فعل. {بلى} أي إن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم، فالذي خلق السموات والأرض يقدر على أن يبعثهم. {وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} وقرأ الحسن باختلاف عنه {الخالق}. قوله تعالى: {إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} قرأ الكسائي {فيكون} بالنصب عطفا على {يَقُولَ} أي إذا أراد خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ومعالجة. وقد مضى هذا في غير موضع. {فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} نزه نفسه تعالى عن العجز والشرك وملكوت وملكوتي في كلام العرب بمعنى ملك. والعرب تقول: جبروتي خير من رحموتي.
وقال سعيد عن قتادة: {مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} مفاتح كل شي. وقرأ طلحة بن مصرف وإبراهيم التيمي والأعمش {ملكة}، وهو بمعنى ملكوت إلا أنه خلاف المصحف. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي تردون وتصيرون بعد مماتكم. وقراءة العامة بالتاء على الخطاب. وقرأ السلمي وزر بن حبيش وأصحاب عبد الله {يرجعون} بالياء على الخبر.

.سورة الصافات:

سورة الصافات مكية في قول الجميع.

.تفسير الآيات (1- 5):

{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (4) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5)}
قوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً} هذه قراءة أكثر القراء. وقرأ حمزة بالإدغام فيهن. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة، نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. {وَالصَّافَّاتِ} قسم، الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصافات و{فَالزَّاجِراتِ} عطف عليه. {إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ} جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد ب {الصَّافَّاتِ} وما بعدها إلى قوله: {فَالتَّالِياتِ ذِكْراً} الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. تصف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة.
وقيل: تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفا.
وقال الحسن: {صَفًّا} لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم.
وقيل: هي الطير، دليله قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ} [الملك: 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة. {والصَّافَّاتِ} جمع الجمع، يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات.
وقيل: الصافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفا في الصلاة أو في الجهاد، ذكره القشيري. {فَالزَّاجِراتِ} الملائكة في قول ابن عباس وابن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح.
وقال قتادة: هي زواجر القرآن. {فَالتَّالِياتِ ذِكْراً} الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى، قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير والسدي.
وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع، لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع.
وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه.
وقيل: هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى: {إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ} [النمل: 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات، لأن بعض الحروف يتبع بعضا، ذكره القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود، كقوله:
يا لهف زيابة للحارث الص ** ابح فالغانم فالآيب

كأنه قال: الذي صبح فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلقين فالمقصرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر ألفاء العاطفة في الصفات، قاله الزمخشري. {إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ} جواب القسم. قال مقاتل: وذلك أن الكفار بمكة قالوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، وكيف يسع هذا الخلق فرد إله! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا.
ونزلت الآية. قال ابن الأنباري: وهو وقف حسن، ثم تبتدى {رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} على معنى هو رب السموات. النحاس: ويجوز أن يكون {رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ}
خبرا بعد خبر، ويجوز أن يكون بدلا من {واحد}. قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على {لواحد}.
وحكى الأخفش: {رب السموات ورب المشارق} بالنصب على النعت لاسم إن. بين سبحانه معنى وحدانيته وألوهيته وكمال قدرته بأنه {رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي خالقهما ومالكهما {وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ} أي مالك مطالع الشمس. ابن عباس: للشمس كل يوم مشرق ومغرب، وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وخمسة وستين كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: رب لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وابن الأنباري في كتاب الر د عن عكرمة، قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمية بن أبي الصلت {آمن شعره وكفر قلبه} قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قول:
والشمس تطلع كل آخر ليلة ** وحمراء يصبح لونها يتورد

ليست بطالعه لهم في رسلها ** وإلا معذبة وإلا تجلد

ما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها اطلعي اطلعي، فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خرت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها» لفظ ابن الأنباري. وذكر عن عكرمة عن ابن عباس قال: صدق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمية بن أبي الصلت في هذا الشعر:
زحل وثور تحت رجل يمينه ** ووالنسر للأخرى وليث مرصد

والشمس تطلع كل آخر ليلة ** وحمراء يصبح لونها يتورد

ليست بطالعه لهم في رسلها ** وإلا معذبة وإلا تجلد

قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الروي إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودل بذكر المطالع على المغارب، فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: {سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]. وخص المشارق بالذكر، لأن الشروق قبل الغروب.
وقال في سورة الرحمن {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدم في {يس} والله أعلم.